الخميس 22 أكتوبر 2020الساعة 06:11 صباحاً بتوقيت القدس المحتلة

المدير العام السابق لمعهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي

24/09/2020 [ 10:37 ]
المدير العام السابق لمعهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي
بقلم العميد: أحمد عيسى

القدس - الكرمل - ترك إعلان البيت الأبيض عن خطة ترامب نتنياهو المعروفة بصفقة القرن الشعب الفلسطيني في مواجهة خيارين اثنين، يدور الأول حول قبول القيادة الفلسطينية ما تعرضه عليهم الصفقة، أي الاستسلام لرؤية نتنياهو الصهيونية لحل الصراع، الأمر الذي يعني رفع الراية البيضاء والتنازل عن الحق التاريخي للفلسطينيين في وطنهم، ويدور الخيار الثاني حول رفض الصفقة ومقاومتها لغايات إسقاطها رغم ما ينطوي عليه الرفض من كلفةٍ باهظةٍة تفوق ربما قدرة الشعب على احتمالها.

ولمّا كان الخيار الأول غير وارد ومستبعد، وكلفة الثاني مرتفعة جداً، طور الفلسطينيون خياراً ثالثاً، هو خيار (الفرصة الأخيرة)، الأمر الذي يجد تعبيراته في قرار القيادة الفلسطينية الذي أعلنه الرئيس محمود عباس في التاسع عشر من أيار الماضي، والقاضي بتحلل الفلسطينيين من كل الالتزامات التي رتبتها الاتفاقيات الموقعة مع الجانبين الأمريكي والإسرائيلي، بما في ذلك الاتفاقيات الأمنية، ويجد تعبيراته كذلك في إعلان استمرار التزام الفلسطينيين بحل الدولتين ومعالجة الصراع من خلال المفاوضات على أساس الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية برعاية دولية.

وفي ذروة انهماك الديبلوماسية الفلسطينية لتأمين إجماع عربي ودولي على رفض الصفقة، وعزل واشنطن وتل أبيب ديبلوماسياً وتحميلهم مسؤولية إفشال مساعي تسوية الصراع في المنطقة، جاء إسقاط جامعة الدول العربية يوم الأربعاء الموافق 9/ 9/ 2020 للمشروع الفلسطيني القاضي بإدانة اتفاق التطبيع الإماراتي الإسرائيلي، ثم جاء توقيع معاهدة "أبراهام" بين دولتي الإمارات والبحرين مع إسرائيل يوم الثلاثاء الموافق 15/ 9/ 2020، لا لتشويش وإضعاف مساعي الفلسطينيين وحسب، بل لهدم جدار الرفض العربي الرسمي للإعتراف بإسرائيل طالما ظلت القضية الفلسطينية بلا حلّ، وفقاً لنص معاهدة السلام العربية.

وفي السياق ذاته، جاء الإعلان عن البيان القطري الأمريكي المشترك يوم الجمعة الموافق 18/ 9/ 2020، ليهدم ما تبقَّى من جدار الرفض العربي الرسمي الاعتراف بإسرائيل، وينزع في الوقت نفسه حق النقض (الفيتو) من أيدي الفلسطينيين على العلاقات الإسرائيلية مع بلدان العالم العربي والإسلامي قبل استجابة الأولى لحقوقهم في الاستقلال وتقرير المصير، وفي المقابل يفتح الطريق على مصراعيها أمام نتنياهو لتطبيق استراتيجيته القاضية بتجاوز الفلسطينيين وإقامة علاقات سلام مع الدول العربية والإسلامية، تأسيساً على معادلة إسرائيلية واضحة، مفادها: "كلما نجحت إسرائيل في إقامة علاقات تعاون وسلام مع الدول العربية والإسلامية، زاد الضغط على الفلسطينيين، الأمر الذي يُجبرهم في نهاية المطاف على مراجعة سياساتهم وحساباتهم".

وعلى ضوء ذلك، ترى هذه المقالة أنّ البيان المشترك قد أتى كخطوة غير منفصلة عن توقيع معاهدة السلام الإماراتية البحرينية مع إسرائيل على الرغم من حالة القطيعة والخلاف بين قطر وكل من الإمارات والبحرين والسعودية، أي أنها خطوة ضمن سلسلة خطوات تهدف إلى حسم صناعة إسرائيل في المنطقة وإنتاج مزيد من الضغط على الفلسطينيين، وذلك من خلال تطبيق نظرية الاستراتيجي الفرنسي (أندريه بوفر) التي عرضها في كتابه (مقدمة للاستراتيجية) العام 1964، القاضية بإبقاء المجتمع في دائرة القلق وعدم اليقين، فيُستنزف وتنهار قواه، ويتعفن من داخله، ويفقد حيويته وقدرته على التجدد، فيستسلم للأمر الواقع.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الإدارة الأمريكية كانت قد بدأت بتنفيذ سلسلة الخطوات هذه منذ بداية عهد الرئيس ترامب، حيث كانت القمة الأمريكية العربية الإسلامية التي عُقدت في العاصمة السعودية الرياض بتاريخ 20/ 5/ 2017، التي دعا فيها الرئيس ترامب إلى تشكيل تحالف أمريكي عربي إسلامي (إسرائيلي) في المنطقة لمواجهة التهديد الإيراني لأمن الإقليم واستقراره، ويساعد في الوقت نفسه على تحقيق سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين أول هذه الخطوات، الأمر الذي يعني أن البيان القطري الأمريكي لن يكون الخطوة الأخيرة فيما يخص تنفيذ رؤية ترامب نتنياهو، بل يقيناً ستكون هناك خطوات أخرى قادمة تهدف لدفع الفلسطينيين للزاوية وقبول العودة لطاولة المفاوضات على اساس خطة الرئيس ترامب وفقاً لنص البيان القطري الأمريكي الاستراتيجي.

وكان البيان المشترك تضمن ثلاثة محددات تخص الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، يدور أولها حول معالجة الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، الأمر الذي لا يخلُ من دلالة، ويحدد الثاني المفاوضات كوسيلة وحيدة لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ويضع الثالث رؤية الرئيس ترامب المعروفة بصفقة القرن مرجعية لهذه المفاوضات، الأمر الذي ينهي خيار الفرصة الأخيرة الذي راهن الفلسطينيون على نجاحه، ويضعهم مرةً أُخرى أمام خياري الاستسلام أو الرفض والمقاومة.

وفي هذا الشأن، سارع البعض من الفلسطينيين للاستنتاج بالقول إن قيادتي حركتي فتح وحماس، كبرى مكونات النظام السياسي الفلسطيني، راحتا تبحثان عن رؤية تتقاطع مع خطة ترامب، أكثر من بحثهما في تطوير مخرجات لقاء رام الله بيروت التي أكدت رفض الخطة و مقاومة الضم والتطبيع، وقد استند هذا البعض في استنتاجه هذا إلى امتناع قيادة الحركتين عن مهاجمة البيان المشترك، رغم ما تضمَّنه من محددات تهدم مخرجات لقاء الأمناء العامين، بل راح البعض، لا سيما قيادة حركة حماس، وبرر في خطابه ضمناً سلوك قطر، فضلاً عن تركيز خطابي الحركتين مؤخراً على مهاجمة التطبيع أكثر من مهاجمتهما خطة ترامب.

من جهتها، تجادل هذه المقالة بأن ما ذهب إليه البعض من استنتاج، رغم مشروعيته، ينطوي على تسرعٍ واستباقٍ لتطور الأحداث، وترى بالمقابل أن الخيار الوحيد أمام القيادة الفلسطينية لتأكيد شرعيتها الوطنية، سواء القيادة الحالية، أم تلك التي قد تأتي عبر صناديق الاقتراع إذا تمت الانتخابات، هو رفض خطة ترامب ومقاومتها، الأمر الذي ترى هذه المقالة أن القيادة الفلسطينية راحت تعد وتهيئ الشعب الفلسطيني له، ما يعني أن الشعب الفلسطيني بانتظار أسوأ الأسوأ حتى لو رحل ترامب عن البيت الأبيض وحل محله بايدن.

كما تجادل هذه المقالة أنه على الرغم مما تقوم به القيادة الفلسطينية في رفض ومواجهة خطة ترامب، فإنها ما زالت لم توفر إجابات بسيطة وسريعة ومقنعة على كثير من التساؤلات التي ما زالت تقلق الشعب وتؤرقه، لعل أهمها يدور حول القيادة نفسها، إذ يطمح الشعب أن يلتف في تقدمه نحو مستقبل أفضل حول قيادةٍ يؤمن بإحساسه قبل وعيه أنها لن تخذله أو تقوده للمجهول، وأنها ستتقدم الصفوف للتضحية، لا للتكسب والثراء.

» اقرأ ايضاً