الاثنين 01 2020الساعة 17:24 مساءً بتوقيت القدس المحتلة

المصالحة الفلسطينية و"نظرية المؤامرة"

04/10/2017 [ 08:31 ]
المصالحة الفلسطينية و"نظرية المؤامرة"
كمال أبو شاويش

ربما لا أتفق مع مَنْ يرون أن المصالحة الفلسطينية، التي بدأت فصولها قبل أيام، هي جزء من مشروع ‏للسلام/التسوية، ضمن ما يُشاع عن وجود «صفقة القرن» أو صفقة كُبرى، لحل الصراع الفلسطيني- ‏الإسرائيلي. صحيح أن المصالحة ليست منفصلة عن الحراك الإقليمي والدولي حول قطاع غزة، لكن هذا الحراك ‏لا يؤشر بالضرورة لوجود حل قريب للصراع في الأفق، والدليل على ذلك ما قاله الرئيس أبو مازن أمس الأول ‏في لقائه المتلفز عبر قناة ‏CBC‏ المصرية، حول إقامة الدولة الفلسطينية؛ حيث أظهر حالة من عدم التفاؤل من ‏إمكانية التوصل لحل قريب للصراع، نتيجة للتعنت الإسرائيلي‎.‎

وهذا يقودنا للسبب الثاني الذي يدفعني للاختلاف مع أصحاب ذلك الرأي، وهو الموقف الإسرائيلي من ‏عملية التسوية. فقد أصبح واضحاً منذ منتصف العام 2014، بعد فشل خطة كيري للسلام، أن حكومة نتنياهو ‏لا تُعير قضية السلام أي اهتمام، وكل ما طرحته هو مفاوضات مباشرة، بلا سقف زمني، وبدون ضمانات ‏حقيقية قد تفضي لحلول للقضايا الكُبرى. ونتيجة لتعنتها أفشلت خطة الوزير كيري، بعدما رفضت الإفراج عن ‏الدفعة الرابعة من الأسرى الفلسطينيين، كما كان متفقاً عليه سابقاً. وكان نتنياهو قد أعلن في غير مرة عن ‏رفضه لمبادرة السلام العربية ( بيروت، مارس 2002)، وكل ما سعى ويسعى له هو مجرد تطبيع العلاقات مع ‏الدول العربية. ‏

وأما السبب الثالث، فهو الموقف الأمريكي. فقد عبّرت الزيارات واللقاءات المتكررة للوفد الأمريكي، برئاسة ‏موفدها لعملية السلام في المنطقة جاريد كوشنير، عن حالة من «الإفلاس» الأمريكي حيال العملية السلمية، ولم ‏تستخدم تعبير «حل الدولتين» الذي سبق وتبناه جورج بوش الابن، في حديثها عن السلام، وحتى هذه اللحظة لا ‏يبدو أن هنالك رؤية أمريكية ناضجة ومتكاملة، حول مشروع للسلام. وهذا أمرٌ قد يبدو مفهوماً، ذلك أن كل ‏الإدارات الأمريكية عادةً ما تكون منهمكة في بداية حكمها في القضايا الداخلية، وأما قضايا السياسة الخارجية ‏فعادةً ما تظهر رؤيتها حولها في مراحل متأخرة، وربما تظهر في الولاية الثانية. ‏

لهذه الأسباب ولغيرها، أري أنه لا يوجد مشروع أمريكي للسلام في المنطقة، ولا أعتقد أن لدى الأسرة ‏الدولية هذه الحماسة لفرض مشروع سلام، عبر مؤتمر دولي للسلام، أو عبر قرار أممي يُجبر إسرائيل على ‏الانسحاب من الأراضي الفلسطينية، وفي كل الحالات فإن إسرائيل غير راغبة، وغير مستعدة للتخلي عن ‏احتلالها. وهذا سببٌ آخر يُضاف لرزمة الأسباب الضاغطة لإتمام المصالحة. ‏

وأما عن الحراك الداخلي والإقليمي، وربما الدولي، حول المصالحة الفلسطينية، فلا اعتقد، وليس بالضرورة، ‏أن يكون مُرتبطاً بشكل أوتوماتيكي مع مشروعٍ للسلام؛ بمعنى أن تكون المصالحة تمهيد أو جزء من مؤامرة ‏‏«الصفقة الكبرى» أو صفقة القرن. لأنه ببساطة محاولات إنهاء الانقسام طويلة وممتدة منذ سنوات، قبل صعود ‏ترامب للحكم، وحتى قبل وجود نتنياهو على رأس الحكومة في تل أبيب. ولعلها جاءت الآن كثمرة جهود، وحراك ‏شعبي وفصائلي وإقليمي ضاغط على حركتي فتح وحماس.‏

فحماس من جهتها لم تعُد قادرة على تحمّل كلفة حكمها المنفرد لقطاع غزة، بخاصة بعد سلسلة الإجراءات ‏‏«العقابية» التي فرضتها السلطة الفلسطينية في رام الله، منذ بداية أبريل 2017، وما تسببته من دمار هائل لما ‏تبقى من مقومات الحياة في غزة. كما أن التحولات الجارية في المنطقة، في ظل الحرب على التنظيمات ‏‏«الإرهابية»، تسير في غير صالح تيارات الإسلام السياسي، وبخاصة جماعة الإخوان المسلمين، ولعل وسم ‏حركة حماس بـ«الإرهابية» في المؤتمر العربي – الأمريكي، الذي عُقد في الرياض (مايو 2017)، يعكس أزمة ‏الحركة. هذا علاوة على الانتخابات التنظيمية داخل المكتب السياسي لحركة حماس، التي أفرزت قيادة شابة ‏جديدة، طامحة – ربما - للعب أدوار وطنية وسياسية مُهمة. ثم جاء تبنيها لوثيقتها السياسية الجديدة، إدراكاً ‏منها للأوضاع الإقليمية والدولية المُستجدة. ‏

وعلى الجانب الآخر، فان فتح - بقيادة الرئيس محمود عباس- وهي تسعى لنيل العضوية الكاملة في الأمم ‏المتحدة، لم تعُد تملك ترف الاستمرار في وضع يكون فيه قطاع غزة بعيد عن سيطرتها، بينما يجري الاتفاق مع ‏‏«غريمها» محمد دحلان على ترتيب أوضاع القطاع، على أساس إدارة حمساوية- دحلانية مشتركة، برعاية ‏مصرية إماراتية مباشرة، السبب الذي دفع - ضمن أسباب أخرى- بحركة فتح لالتقاط الفرصة، والتمسك ‏بتلابيبها هذه المرة؛ فقد باتت تعلم أن هنالك من يقف خلف الباب متربصاً ينافسها في استمالة حركة حماس، ‏والتفاوض معها حول إدارة شؤون قطاع غزة. ثم جاء إعلان حركة حماس عن حل اللجنة الإدارية، واستعدادها ‏لتمكين حكومة الوفاق الوطني، وإجراء انتخابات عامة، ليقطع الطريق على أي محاولة للتباطؤ أو التلكؤ في ‏إتمام المصالحة.‏

وعلى صعيد الوضع الإقليمي، جاء الدور المصري الضامن، هذه المرة، أكثر تأثيراً وفاعلية لجهة حسم ‏الموقف لصالح إنهاء الانقسام، حرصاً منها على متطلبات أمنها القومي، الذي أصبح أكثر عُرضة نتيجة ‏للأوضاع الأمنية المتردية في شمال سيناء من ناحية، ولعدم ترك المجال لأي قوة إقليمية أُخرى قد تنافسها على ‏ورقة المصالحة الفلسطينية، من ناحية أخرى.

من هنا، فإن تكرار الحديث عن مؤامرة «الصفقة الكُبرى» وارتبط المصالحة بها، قد يدفع البعض للشك في ‏كل ما هو حولنا، ويصور الفلسطينيين، والحركة الوطنية الفلسطينية بقياداتها، وفصائلها، وسلطتها وكأنها أُلعوبة ‏في يد القوى «المتآمرة»؛ فإذا كانت المصالحة مؤامرة! فأهلاً بالمؤامرات. وجملة القول، إن المصالحة الفلسطينية ‏جاءت لتلبي الحاجة الفلسطينية، وكنتيجة لضغوط (شعبية ورسمية) متواصلة لم تهدأ ولم تستكن ولم تتوقف ‏للحظة واحدة، وكنتيجة لحسابات داخلية لكل الأطراف المُتداخلة في عملية الانقسام، وعليه فلا يليق بنا أن ‏نبتدع المؤامرة، ونتقصى أثرها في كل زاوية من زوايا حياتنا؛ حتى لا نشوه ما تبقى لدينا من مشاعر وطنية‎

» اقرأ ايضاً