الاثنين 15 أكتوبر 2018الساعة 18:44 مساءً بتوقيت القدس المحتلة

العلاقة بين الناقد والأديب بقلم : د. محمد عبدالله القواسمة

22/08/2017 [ 09:38 ]
العلاقة بين الناقد والأديب بقلم : د. محمد عبدالله القواسمة

روا - يلاحظ، هذه الأيام، أنّ العلاقة بين الناقد والأديب سواء أكان شاعرًا، أم روائيًّا، أم مسرحيًّا علاقة تقوم، في الغالب، على الخوف. فالناقد مع أنه قد يكون كما يُتوقع منه مستندًا إلى أسس علمية، وذائقة متدربة في فهم النصوص وتذوقها إلّا أنّه يخشى من ردة فعل الأديب على ما كتبه عن نصه إن سلبًا أو إيجابًا. فمن المؤكد إذا كان سلبًا أن يتعرض إلى مشادات أو ربما هجومات ليس من الأديب فحسب بل من أنصاره أيضًا. وإذا كان إيجابًا فربما لن يكون في ذلك إرضاء تام للأديب.

لهذا نجد بعض النقاد المتميزين، حتى لا يقعوا في خصومات وعداوات مع الأدباء، يحبذون أن يبحثوا في نصوص قديمة فارق أصحابها الحياة منذ زمن بعيد. 

وفي المقابل فإن الأديب ينظر بريبة إلى الناقد فهو يرى أنه لا يستطيع أن يسبر أغوار نصه، وأن يصل إلى التعبير عما أراده، وربما يخشى، في أسوأ الحالات، أن يتعرض إلى النواحي السلبية في النص. وهذا، وفق فهمه، يقلل من قيمته الأدبية، ويبعد الناس عن قراءة ما يكتب والاهتمام به. إن هذه النرجسية الممزوجة بالخوف تجعل الأديب يرى في الناقد عدوًا له.

تلقي هذه العلاقة غير الصحية بين الناقد والأديب بتأثيرها في الطرفين. فمن وقت لآخر نقرأ أو نسمع نقدًا يكيل المديح للنص وصاحبه؛ فنحس كأننا أمام أديب أسطوري جاد به الزّمن دون أن ندري. كما رأينا أدباء يتقربون من النقاد بالهدايا والأعطيات؛ كي يحظوا بمدحهم، وتوجيه طلابهم إذا كانوا من الأكاديميين، إلى دراسة أعمالهم. فكم من رسائل ماجستير وأطاريح دكتوراه تناولت أدباء يتلمسون طريقهم إلى الأدب!!.

لقد أنتجت هذه العلاقة نقدًا هزيلًا وأدبًا ركيكاً، فالناقد لا يقوم بمهمته في تحليل النص وتفسيره، وفك شفراته، وبيان ما فيه من مواطن الجودة والضعف. كما أن الأديب يطمئن إلى ما وقر في نفسه عن تفوقه وتميزه؛ فيبقى على حالة يرثى لها من الجمود. هكذا، ما دامت المجاملة تسود بين الطرفين فلن يسعى أي منهما إلى تجويد عمله وتطويره. وفي هذا الشأن نذكر أن الشاعر الأمريكي المعروف عزرا باوند كان يلح على ضرورة أن يبتعد النقد عن المجاملة والمدح الكاذب؛ لئلا يؤدي إلى أعمال رديئة، ويورد مثلًا على ذلك من طاغور، شاعر الهند الكبير، إذ كان يخربش رسومات هزيلة وكان من حوله من النقاد وغيرهم يمتدحون عمله. وحين عرض تلك الرسومات في معرض بباريس، لم يجد من يتحمس لها. ويعلق باوند على ذلك:" هناك من كذب عليه."

لا شك أن مثل هذه العلاقة التي تطفو على سطح حياتنا النقدية والأدبية، أدت إلى تراجع النقد والأدب، وضعف الذائقة الأدبية لدى الناس، وابتعاد كثيرين منهم عن القراءة والكتابة، وفقدانهم الثقة بالنقد والأدب معًا. لعل هذا ما يفسر قلة المشاركين والحاضرين النشاطات الأدبية والنقدية التي تقيمها من وقت لآخر مؤسساتنا الثقافية؛ إذ يقتصر الحضور غالبًا على الأصدقاء والأقربين من الدرجة الأولى، وكأن حضورهم نوع من الفزعة لمن دعاهم.

لعل من الجدير ذكره عن العلاقة بين الناقد والأديب في عصور العرب القديمة أنها كانت علاقة تكامل، واعتراف بضرورة أحدهما للآخر. فهذا المتنبي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، والقائل مادحًا نفسه وشعره:
أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جراها ويختصم
كان يحيل من يسأله عن شعره إلى ناقده أبي الفتح بن جني، فكان يراه أعلم منه بشعره؛ والقادر على فهمه، وفك أسراره التي ربما لم تكن تخطر له على بال. 

لهذا، نحن ندعو إلى أن تكون العلاقة بين الناقد والأديب علاقة تحكمها المحبة والثقة لا الريبة والخوف. وعلى الأديب أن يعترف بحق الناقد في أداء وظيفته بمدح النص الجيد، وذم النص الرديء، دون إهمال تعليل ذلك. بهذا يرتقي الأدب والنقد معًا؛ لأن كليهما يؤثر ويتأثر بالآخر؛ فضعف النقد يؤدي إلى ضعف الأدب، كما أن الأدب الجيد يفتح الأبواب لنقد جيد. وفي ارتقائهما ترتقي الذائقة الفنية الجمعية، وتغدو لدينا ثقافة متقدمة، ومتطورة.

» اقرأ ايضاً