الاحد 23 سبتمبر 2018الساعة 04:12 صباحاً بتوقيت القدس المحتلة

من تجربة الإسلام السياسي إلى تجربة ما بعد الإسلام السياسي: قراءة في التحولات الفكرية والسياسية

04/06/2017 [ 09:48 ]
من تجربة الإسلام السياسي إلى تجربة ما بعد الإسلام السياسي: قراءة في التحولات الفكرية والسياسية
بقلم: إدريس جنداري

إن ما يجب أن يَعِيه أيّ متابع لنشأة الإسلام السياسي في العالم العربي، هو أن هذه النشأة تزامنت مع تحريف الفكرة الإصلاحية النهضوية، خارج المجال الجغرافي العربي في الهند، وبعد ذلك تمت استعادة الفكرة المُحرَّفة وزرعها لتعميق القطيعة مع المشروع الإصلاحي النهضوي، هذا المشروع الذي عبر عنه، فكريا، الشيخ علي الرازق في كتابه ذي النفحة الأصولية المقاصدية، وهو يحسم النقاش في العلاقة بين الدين والدولة في الإسلام.

  1. من تجربة النهضة إلى تجربة الإسلام السياسي

تم تدشين المرحلة الإصلاحية الأولى، في التاريخ العربي الحديث، مع عصر النهضة، وقد تزامنت هذه المرحلة مع التحدي الاستعماري، ولذلك تم استدعاء المتن الديني لتوظيفه في حشد المؤمنين للقيام بواجب الدفاع عن الأمة.

لكن هذه المرحلة تميزت، في نفس الآن، بالانفتاح على المستعمر بهدف الاستفادة من تجربته الفكرية والعلمية والسياسية التي مكنته من السيطرة على الامتداد الجغرافي العربي الإسلامي

وهكذا، فقد تبلور تياران إصلاحيان، الأول ذو نفس سلفي (منفتح) يؤمن بالعودة إلى الأصول الأولى للإسلام بعد تنقيته من مخلفات الصراع السياسي، ومن شوائب عصور الانحطاط، وكان ذلك مع محمد عبده وجمال الدين الأفغاني في المشرق، ومع علال الفاسي في المغرب.

أما الآخر، فهو ذو نفس ليبرالي (محافظ) يعتبر أن الانفتاح على الحضارة الغربية دعامة أساسية، لضخ دماء جديدة في شرايين الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في العالم العربي، وقد كان ذلك مع رفاعة الطهطاوي في المشرق، ومحمد بن الحسن الحجوي في المغرب.

لكن، رغم الزخم الفكري والسياسي الذي ساد، فإن المرحلة قد طرحت أسئلة كبرى سابقة لأوانها، أسئلة لا تنسجم، غالبا، مع طبيعة البنية الفكرية والسياسية والاجتماعية السائدة. فمن جهة، كان العالم العربي يخرج للتوِّ من سبات عميق امتد طوال قرون من الانحطاط، ومن جهة أخرى انبثقت، بشكل مفاجئ، نخبة فكرية سابقة لزمانها تطرح أسئلة كبرى لا تنسجم مع الواقع العربي، وهي نخبة استفادت من اليقظة المتأخرة للفكر العربي الحديث على وقع الصدمة الاستعمارية، وعملت على الاستفادة من المنجزات الفكرية والعلمية الحديثة التي ضختها الحملة الاستعمارية، كل هذا جعل المشروع النهضوي العربي يتوقف عند حدود التنظير الفكري، الأمر الذي كرّس طابعه النخبوي، ومنعه من التسرّب إلى عمق البنية الاجتماعية والسياسية.

إن هذا الفشل الذي أصاب المشروع النهضوي العربي، كان يمهد الطريق لانبثاق مشروع جديد، من منظور أن الطبيعة ترفض الفراغ، وهو مشروعُ عمل على إلغاء كل ما تراكم من اجتهاد فكري، وركّز على البعد السياسي العملي.

فإذا كان النهضويون يحملون مشروعا حضاريا بعيد المدى، يتحكم فيه الاجتهاد الفكري والانفتاح الحضاري، فإن مُؤسّسي التيّار الإسلامي الحركي قد عملوا على هدم هذا الأساس الفكري، واستبدلوا المشروع الحضاري بمشروع سياسي ضمن ما سُمّي بالدولة الإسلامية.

وقد كان أبو الأعلى المودودي أبرز مؤسّس لهذا الاتجاه السياسي، مدعوما في ذلك بطموح استقلالي جامح قاده إلى التنظير لتجربة سياسية خاصة، عبر فصل الباكستان عن الهند، لكن مشروعه الخاص سيتحول إلى مشروع سياسي عام، حيث تحولت هذه الأدبيات السياسية إلى مشروع سياسي إسلامي تجسد في شكل حركات سياسية إسلامية، تعمل على توظيف المتن الديني توظيفا سياسيا، من منظور أن الإسلام دين ودولة.

إن ما يجب أن يَعِيه أيّ متابع لنشأة الإسلام السياسي في العالم العربي، هو أن هذه النشأة تزامنت مع تحريف الفكرة الإصلاحية النهضوية، خارج المجال الجغرافي العربي في الهند، وبعد ذلك تمت استعادة الفكرة المُحرَّفة وزرعها، لتعميق القطيعة مع المشروع الإصلاحي النهضوي، الذي عبر عنه، فكريا، الشيخ علي الرازق في كتابه ذي النفحة الأصولية المقاصدية، وهو يحسم النقاش في العلاقة بين الدين والدولة في الإسلام، فهو يعتبر أن الدولة لا تعدو أن تكون وسيلة خلال عهد النبوة

أما المسألة الأساسية، فتتعلق بالدين، "لا يريبنك هذا الذي ترى أحيانا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فيبدو لك كأنه عمل حكومي، ومظهر للملك والدولة، فإنك إذا تأملت لم تجده كذلك، بل هو لم يكن إلا وسيلة من الوسائل التي كان صلى الله عليه وسلم يلجأ إليها تثبيتا للدين وتأييدا للدعوة".[1]

وهكذا ينتقل الشيخ علي عبد الرازق إلى مسألة الخلافة، كتجسيد لعلاقة الدين بالدولة في التاريخ الإسلامي، ويؤكد أن الدين الإسلامي بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون، وبريء من كل ما هيأوا حولها من رغبة ورهبة، ومن عزة وقوة، والخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية، كلا ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة، وإنما تلك كلها خطط سياسية صرفة.[2]

إن الشيخ علي عبد الرازق، وهو يفصل المقال فيما بين الدين والدولة من انفصال كان يسعى إلى ترجمة روح الإسلام، من منظور علمي رصين يستفيد من منجزات علم أصول الفقه، وخصوصا ما ارتبط منه بالفكر المقاصدي، ولذلك فهو يستنتج، بكل روح علمية، أن مفهوم الدولة الدينية التي تحتكر السلطتين المادية والروحية غير قائم في الأدبيات السياسية الإسلامية الأولى، بل هي نتيجة للعصور التالية التي اعتمد خلالها النص الديني كوسيلة في الصراع السياسي عبر تأويله لخدمة مصالح المتصارعين

ولعلّ هذا هو ما جعل الثقافة الإسلامية من بين الثقافات المؤهلة للفصل بين السلطتين الروحية والمادية، وبالتالي التأسيس للدولة المدنية في مقابل الدولة الدينية.

عندما طرحت البوادر الأولى للإسلام السياسي مع أبي الأعلى المودودي في الهند، مجسدة في الجماعة الإسلامية كحركة إسلامية أولى، في العصر الحديث، كان العالم العربي يعيش فراغا تنظيميا إسلاميا بعد فشل تَبلوُر الفكرة النهضوية كمشروع سياسي واجتماعي، ولذلك وجدت الفكرة صداها لمّا عمل حسن البنا على تجسيدها تنظيميا مع تأسيس جماعة الإخوان المسلمين على شاكلة الجماعة الإسلامية، وكذلك لمّا عمل سيد قطب على تجسيدها نظريا من خلال مؤلفاته العديدة التي تنهل من نفس المصدر الفكري الذي أسّسه أبو الأعلى المودودي.

وفي كلا الاتجاهين، تنظيميا وتنظيريا، كان "شعار الحاكِميّة لله" هو المتحكم، وهو شعار يلخص نظرية متكاملة في الممارسة السياسية، تتمحور حول مفهوم الدولة الدينية، من خلال تأويل النصوص الدينية، ولَيِّ أعناقها لتستجيب للخطط السياسية القائمة على أساس توظيف النص الديني للتحكم في الدولة.

إن الدولة الإسلامية كما نَظَّر لها أبو الأعلى المودودي "دولة شاملة محيطة بالحياة الإنسانية بأسرها، وتطبع كل فرع من فروع الحياة الإنسانية بطابع نظريتها الخلقية الخاصة وبرنامجها الإصلاحي الخاص"

.[3] إنها دولة شمولية (بالمعنى الشيوعي الحديث) تتحكم في كل حركات وسكنات الأفراد والجماعات، ويُبرِّر المودودي ذلك بكون هذه الهيمنة والإحاطة التامة، "إنما ترتبط بقانون إلهي جامع وواسع أوكل إلى الحاكم المسلم تنفيذه في الناس".[4]

إن المودودي، وهو يؤسس لمفهوم الحاكمية لله، كان ينظر لمشروع سياسي تحمله الجماعة الإسلامية، وتسعى إلى تطبيقه في الدولة الإسلامية الناشئة (باكستان) بعد فصلها عن الهند، ولذلك لم يكن همّه فكريا، بل كان سياسيا صرفا، لأنه كان يتصور أن النص الديني يمكن أن يساعده على تأسيس دولة شمولية يحتكر فيها الحاكم المسلم تنفيذ الأمر الإلهي في الناس.

ولعل هذا، هو التحريف الأكبر الذي لم ينتبه إليه مؤسّسو تجربة الإسلام السياسي في العالم العربي، لذلك تعاملوا مع هذا المشروع السياسي الخاص، باعتباره مشروعا إسلاميا عاما قابلا للتطبيق في أيِّ زمان ومكان.

ولذلك، فإن تجربة الإسلام السياسي في العالم العربي، وهي تستعير إشكالية غريبة عن التراث الفكري النهضوي الأصيل، كانت في نفس الآن تؤسس لقطيعة تامة مع التراث الإسلامي العقلاني في صيغته الفلسفية والأصولية(من علم أصول الفقه) مُعوِّضة ذلك باجتهادات فقهية تبسيطية تُوظِّف النص الديني لتحقيق مآرب سياسية عابرة، وهنا كانت بداية الأزمة التي ستتطوّر فصولها لاحقا معلنة عن إفلاس المشروع من الأساس.

2. تجربة ما بعد الإسلام السياسي

حينما نتحدث عن مرحلة ما بعد الإسلام السياسي، يجب أن نبدي ملاحظتين أساسيتين:

- من جهة، لا تحيل عبارة (ما بعد) على نهاية تجربة الإسلام السياسي، ولكن تحيل على تحوّل في التجربة، تحوّل فرضته الكثير من المتغيّرات الدولية والإقليمية والوطنية، وهو تحول مسّ منهجية التفكير لدى الفاعل الإسلامي، كما مسّ أدوات العمل والممارسة.

ولعل هذا التوجه هو الذي تحكّم في باحث اهتم بالموضوع، مبكرا، وهو أوليفييه روا (OLIVIER ROY) الذي خصص كتابا في موضوع فشل الإسلام السياسي[5] سنة 19922، لكنه عاد بعد عشر سنوات إلى تطوير أطروحته السابقة، بعدما تبين له أن الأمر يقتصر على تحوّل في التجربة وليس نهاية لها، وهكذا أصبح يتحدث عن تحول الإسلام السياسي إلى إسلام اجتماعي، وذلك في كتابه "الإسلام المُعولَم".[6]

- من جهة أخرى، لا يمكن تعميم نفس الخصائص على التجارب المختلفة للإسلام السياسي؛ فالتجربة الإخوانية في العالم العربي تختلف جذريا عن تجربة الإسلام السياسي في جنوب شرق آسيا (إندونيسيا- ماليزيا)، وكذلك في التجربة التركية

. فإذا كانت تجربة الإسلام السياسي في العالم العربي -مع بعض الاستثناءات - قد خرجت من مِعطف تجربة الجماعة الإسلامية مع أبي الأعلى المودودي، وظلت رهينة لرؤيتها الفكرية القائمة على مبدأ الحاكِميّة لله، وكذلك رهينة نفس أدواتها التقليدية في العمل الدعوي والتجنيد الأيديولوجي، فإن تجربة الإسلام السياسي في جنوب شرق آسيا وفي تركيا قد قطعت أشواطا جدّ متقدمة على طريق ربط الإسلام، كتجربة روحية، بتحولات العصر الحديث سياسيا واجتماعيا، وذلك ضمن ما يسمّيه الباحث الأمريكي (أليكساندر أريفيانتو Alexander R.Arifianto) بتجربة الإسلام التقدمي (progressive Islam)، باعتبارها محاولة للجمع بين تعاليم الإسلام الأساسية(القرآن الكريم، الحديث الشريف، والفقه الإسلامي)، وبين الأفكار المستمدة من النظرية الليبرالية الغربية، مثل (الديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية والتعددية الدينية).[7]

إننا حينما نبدي هاتين الملاحظتين، فإنما لتحقيق الفرز بين التحليل العلمي للواقع الموضوعي، وبين الرغبات الأيديولوجية التي قد تتحكم في بعض الفاعلين السياسيين والثقافيين، ونحن نستحضر هنا التأويل الذي تمّ فرضه على مفهوم (ما بعد الحداثة) هذا التأويل الذي أدى ببعضهم إلى الحكم بفشل مشروع الحداثة بكامله، مما اضطر المفكر المغربي (محمد سبيلا) إلى ترجمة المفهوم بالحداثة البعدية كإحالة على أن ما بعد الحداثة ليست سوى مرحلة ثانية من تطور المشروع الحداثي.[8] فهل يصحّ أن نتحدث عن مفهوم الإسلام  السياسي البعدي، باعتباره مرحلة ثانية تلي مرحلة التأسيس الأولى وتصلح بعض أعطابها؟

ضمن كتاب جماعي صادر حديثا في الولايات المتحدة الأمريكية حول موضوع ما بعد الإسلام السياسي، من تأليف جماعة من الباحثين المتخصصين في الموضوع، يذهب الباحث الأمريكي ذو الأصول الإيرانية (آصف بيات) إلى أن استخدام مصطلح ما بعد الإسلام السياسي لدى بعض المحللين الغربيين، هو للإشارة إلى نهاية مرحلة الإسلام المقاتل، وبداية مرحلة جديدة اتجه خلالها الإسلاميون إلى تبني الانتخابات بديلا للرصاص.

وما يبدو، هو أن الباحث يقصد بنهاية الإسلام المقاتل، تحول الإسلاميين من ممارسة العنف المادي المقدس (التفجير) والعنف الرمزي المقدس (التكفير) في مواجهة الأنظمة السياسية الحاكمة والمجتمع، وذلك في اتجاه الاقتناع بالممارسة الديمقراطية كمنهج للمشاركة في الحكم.

ولعل هذا هو ما يؤكده الباحث التركي (إحسان داغي) ضمن نفس الكتاب، فهو يذهب إلى أن تجربة حزب العدالة والتنمية هي نموذج ما بعد إسلاموي، قام فيها الإسلاميون الأتراك باستبدال "الخالق/الحق" بـ"الخلق/الناس"؛ فقد خاضوا السياسة باسم الشعب لا باسم الإسلام، وزاوجوا بين خدمة الناس وخدمة الله، وفي انفصالٍ عن الإسلاموية التقليدية، أعلنوا أن "الإسلام ليس أيديولوجية والقرآن ليس دستوراهكذا يميز الباحث بين مرحلة الإسلاموية التقليدية التي تخوض السياسة باسم الإسلام، باعتباره مشروعا أيديولوجيا يتعامل مع القرآن كدستور، وبين مرحلة ما بعد الإسلاموية التي تجسدها التجربة التركية التي تخوض السياسة باسم الشعب، ولا تتعامل مع الإسلام كأيديولوجية ولا مع القرآن كدستور.[9]

إن هذا الانتقال من مرحلة الإسلام السياسي التي تجسدها تجربة الحركات الإسلامية في العالم العربي، وبين مرحلة ما بعد الإسلام السياسي التي تجسدها تجربة بعض الحركات الإسلامية في جنوب شرق آسيا وتركيا، هذا الانتقال هو ما تم التوقف عنده من خلال دراستين صادرتين في الموضوع.

وقد تم تناول هذا الانتقال والتحول باعتماد مفهوم "الإسلام التقدمي" كمفهوم إجرائي تم اعتماده في الأدبيات الغربية المهتمة بموضوع الانتقال والتحول من الإسلام السياسي التقليدي إلى مرحلة ما بعد الإسلام السياسي.

من خلال الدراسة الأولى، تم تناول تجربة الإسلام التقدمي في جنوب شرق آسيا من خلال نموذج جمعية نهضة العلماء، وهي حركة إسلامية ذات نزوع ليبرالي واضح المعالم، يتجلى في مقاربتها لمجموعة من القضايا الفكرية والسياسية الشديدة الحساسية، مثل: علاقة الإسلام بالديمقراطية، والتعددية الدينية والمذهبية في المجتمع، وكذلك مسألة التشريع والطابع الإسلامي للدولة، وفي جميع هذه القضايا أبدت هذه الحركة الإسلامية قدرة فائقة على تحقيق التلاؤم بين القضايا الفكرية والسياسية المعاصرة، وبين روح الدين الإسلامي، ولعل هذا هو ما أهلها لقيادة مرحلة سياسية جد حرجة من تاريخ أندونيسيا الحديث، حيث وصل زعيمها (عبد الرحمن واحد) إلى الحكم كأول رئيس ينتخب ديمقراطيا بعد سقوط نظام (سوهارتو)، وقد استثمر تراث حركته الإسلامية، القائم على الاجتهاد الديني المنفتح على معارف العصر، في تدشين عهد جديد من التعددية السياسية والدينية والمذهبية داخل المجتمع الأندونيسي.[10]

من خلال الدراسة الثانية، تم تناول تجربة الإسلام التقدمي في تركيا، باعتماد نموذج حزب العدالة والتنمية، وهي تجربة لا تقل قيمة عن سابقتها؛ لأنها تمكنت، خلال عقد من الزمن، من تأسيس نموذج فكري وسياسي جديد، يقوم على تجاوز رؤيتين متناقضتين سادتا الفضاء الإسلامي منذ الصدمة الحضارية الكبرى مع الغرب.

من جهة، تمكنت التجربة الإسلامية التركية من تجاوز النموذج السلفي (النصي) التقليدي الذي يوظف ظاهر النص للتحكم في حركية الواقع، سواء من خلال دعوى الدولة الإسلامية، أو من خلال شعار تطبيق الشريعة؛ ومن جهة أخرى، تمكنت التجربة الإسلامية التركية من تجاوز النموذج العلمانوي (من العلمانوية laïcisme كتحريف للعلمانية laïcité)، هذا النموذج الذي أسسه أتاتورك عبر استلهام التجربة العلمانوية الفرنسية، وحاول من خلاله تهديم كل البناء العثماني.

ومن خلال نجاح حزب العدالة والتنمية في تجاوز هذه النماذج الراديكالية في التفكير والممارسة، فإنه كان يؤسس بنجاح لعهد جديد في تركيا والعالم الإسلامي، حيث لا تصبح الأدبيات الدينية الإسلامية عائقا أمام تجسيد الديمقراطية، ولا تصبح قيم الحداثة الفكرية والسياسية عائقا أمام ترسيخ أخلاقيات الدين الإسلامي[11]، سواء عبر توظيف مصطلح "ما بعد الحركات الإسلامية"، أو عبر توظيف مصطلح "الإسلام التقدمي"، فإن التحليل الفكري والسياسي، في مقاربته لتجربة الإسلام السياسي، يذهب في اتجاه أن هذه التجربة عرفت تحولات عميقة، سواء على مستوى الرؤية الفكرية أو على مستوى الأدوات السياسية.

فلا يمكن لأي باحث نزيه أن يطابق بين تجربة الجماعة الإسلامية التي أسسها أبو الأعلى المودودي في الهند، وبين تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا، أو جمعية نهضة العلماء في أندونيسيا.

فإذا كانت التجربة الأولى تنتمي إلى مرحلة التأسيس ضمن ما يسمّى بالإسلام السياسي التقليدي، فإن التجربتين التركية والأندونيسية تنتميان إلى مرحلة التحول بما تعنيه من انتقال وتجاوز وتقدّم.

المراجع

[1] علي عبد الرازق، الإسلام وأصول الحكم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص 79

[2] نفس المرجع، ص 103

[3] أبو الأعلى المودودي، نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور، بيروت- دار الفكر 1964، ص 46

[4] نفس المرجع، ص 54

[5] Olivier Roy - échec de l’islam politique - seuil - paris - 1992

[6] Olivier Roy - l’islam mondialisé - seuil - paris - 2002

[7] Arifianto - The Making of “Progressiv Islam” in Indonesia and Turke - Presented at the 2012 Western Political Science Association (WPSA) Annual Meeting Portland, OR March 22-24, 2012- p.p: 2-3

[8] انظر: محمد سبيلا، الحداثة وما بعد الحداثة، دار توبقال للنشر، ط 1، 2000

[9] محمد مسعد العربي، ما بعد الإسلاموية الأوجه المتغيرة للإسلام السياسي - تأليف جماعي - تحرير: آصف بيات مركز الجزيرة للدراسات:http://studies.aljazeera.net/bookrevision/2014/11/2014111865841824759.htm

[10] إدريس جنداري، الإسلام التقدمي، تجربة نهضة العلماء نموذجا، مركز المسبار للدراسات والبحوث، الكتاب الرابع والسبعون، فبراير/شباط 2013، (كتاب جماعي).

[11] إدريس جنداري، الإسلام التقدمي في تركيا: تجربة حزب العدالة والتنمية نموذجا، مؤسسة مؤمنون بلا حدود - قسم الدين وقضايا المجتمع الراهنة - 28 ماي 2014

 

» اقرأ ايضاً